رأينا في الفصول السابقة كيف يتجاوز الوكيل حدود النموذج اللغوي، فيعالج المعلومات ويتّخذ القرارات وينفّذ المهام. لكن ما الذي يحدث فعليًا خلف الكواليس؟
رأينا في الفصول السابقة كيف يتجاوز الوكيل حدود النموذج اللغوي، فيعالج المعلومات ويتّخذ القرارات وينفّذ المهام. لكن ما الذي يحدث فعليًا خلف الكواليس؟
في هذا الفصل نفكّك مسار عمل الوكيل — من لحظة التعرّف على المهمة إلى تنفيذها — لنرى كيف يستخدم النموذج اللغوي والذاكرة والاستدلال والأدوات الخارجية.
في الواقع يتّبع الوكيل تسلسلًا معقّدًا من العمليات. ولتبسيط الصورة، يمكن اختصار هذا المسار في ثلاث مراحل رئيسة:
وكل مرحلة من هذه المراحل تُحرّكها الموجّهات. فالموجّه هنا هو التعليمة أو السؤال الذي يخبر الوكيل بما يجب فعله في الخطوة الحالية. يمكن اعتباره الوقود الذي يدفع العملية خطوة إلى الأمام.
والموجّهات نوعان:
وفي مركز هذه العملية يقف النموذج اللغوي الذي يستخدمه الوكيل، وهو محرّك الاستدلال: يقرأ الموجّه في كل مرحلة، ويفسّر السياق، ويحدّد الخطوة التالية — سواء كان ذلك فهم طلبك، أو مقارنة خيارات السفر، أو إتمام حجز.
لنتابع العملية من خلال مثال.
تعرّف على TravelBooker، وهو وكيل ذكاء اصطناعي مخصّص لحجز السفر وإدارة المواعيد. مهمته أن يساعدك في تخطيط رحلاتك، وإيجاد أفضل الرحلات الجوية، وتنظيم اجتماعاتك — كل ذلك في مسار واحد.
ولنفترض أن الطلب الذي وصل إليه هو: «احجز لي رحلة إلى نيويورك صباح الاثنين، ورتّب اجتماعًا مع سارة في ذلك اليوم.»
الهدف: فهم الطلب وتحديد المهام الأساسية فيه.
يبدأ TravelBooker بقراءة طلب المستخدم وتصنيف المهام الواردة فيه. وهذه الخطوة تساعد الوكيل على تفكيك المدخل إلى أجزاء أصغر قابلة للمعالجة.
«أنت TravelBooker، وكيل ذكاء اصطناعي لحجز السفر وإدارة المواعيد. حدّد المهام الواردة في طلب المستخدم التالي وصنّفها.»
ما يفعله هذا الموجّه: يوجّه النموذج المركزي إلى تحديد كل مهمة ووسمها بحسب قصد المستخدم. وفيما يلي ما ينتجه الوكيل بعد التحديد والتصنيف:
الجدول 6-1: مخرجات مرحلة الفهم والتفسير
| # | اسم المهمة | نوع المهمة |
|---|---|---|
| 1 | حجز رحلة جوية | مهمة سفر |
| 2 | ترتيب اجتماع | مهمة تقويم |
الهدف: تفكيك كل مهمة إلى خطوات، ورسم الخطة، وجمع البيانات المطلوبة.
في هذه المرحلة يبدأ TravelBooker بالتفكير قبل الفعل. فيضع خطة عمل عبر تفكيك كل مهمة خطوةً خطوة، باستخدام الاستدلال المتسلسل أو أسلوب ReAct.
«أنت TravelBooker، وكيل ذكاء اصطناعي لحجز السفر وإدارة المواعيد. بالنسبة للطلب التالي، فكّك كل مهمة إلى خطة عمل متسلسلة قبل استرجاع أي بيانات أو تنفيذ أي إجراء.»
ما يفعله هذا الموجّه: يوجّه النموذج المركزي إلى التفكير بترتيب منطقي قبل أي إجراء، فتكون هناك خطة واضحة قبل استخدام الأدوات الحقيقية.
الخطة المُولَّدة: فيما يلي تفكيك المهام إلى خطوات متتابعة مع الأدوات المستخدمة في كل خطوة.
الجدول 6-2: الخطوات المتتابعة والأدوات المستخدمة
| المهمة | الخطوة | وصف الإجراء | الأداة / الواجهة |
|---|---|---|---|
| حجز الرحلة | 1 | استرجاع تفضيلات المستخدم | الذاكرة / الموجّه |
| 2 | البحث عن رحلات صباح الاثنين | واجهة برمجية للرحلات | |
| 3 | مقارنة الخيارات بالسعر والوقت والمقعد | منطق داخلي | |
| 4 | تجهيز أفضل خيار في صيغة طلب مُهيَّكل | JSON / حِزمة طلب API | |
| ترتيب الاجتماع | 1 | التحقّق من أوقات فراغ سارة | واجهة برمجية للتقويم |
| 2 | تثبيت الاجتماع في وقت متاح | واجهة برمجية للتقويم | |
| 3 | إرسال الدعوة وتأكيدها مع الطرفين | أداة البريد / التقويم |
ولا يسترجع TravelBooker البيانات — خيارات الرحلات أو أوقات التقويم — إلا بعد أن تتّضح الخطة.
الهدف: استخدام البيانات المسترجَعة والخطة المُعدّة لتنفيذ الإجراء الفعلي وتأكيده مع المستخدم.
الآن أصبح الوكيل جاهزًا لتنفيذ الخطة. فينفّذ كل مهمة بالاعتماد على ما جُمِع من معلومات، ويتصل بالأنظمة الخارجية، ويرسل التأكيدات.
«أنت وكيل حجز. أتمّ حجز الرحلة المختارة وأكّد التفاصيل للمستخدم: فؤاد بوسطوان.»
ما يفعله هذا الموجّه: يوجّه النموذج المركزي إلى إتمام الحجز عبر استدعاء التكامل الصحيح (واجهة برمجية أو خدمة خارجية)، ثم تأكيد النتيجة مع المستخدم.
النتيجة:
الجدول 6-3: ملخّص مسار عمل الوكيل في المراحل الثلاث
| المرحلة | ما جرى فيها |
|---|---|
| الفهم والتفسير | تحديد مهمتين: حجز رحلة وترتيب اجتماع. |
| الاستدلال وجمع المعلومات | بناء خطة متسلسلة واسترجاع بيانات حديثة. |
| التنفيذ | إتمام الحجز، وتثبيت الاجتماع، وتأكيد الاثنين مع المستخدم. |
عرفنا في الفصل السابق أن الذاكرة تساعد الوكيل على اتخاذ قرارات أفضل بحفظ السياق والتاريخ. لننظر الآن كيف تُدار الذاكرة فعليًا داخل وكيل مثل TravelBooker، ولماذا هي أساس التجربة المخصّصة.
تخيّل الذاكرة كأداتين للعمل:
تساعد الذاكرة قصيرة المدى الوكيل على البقاء مركّزًا في التفاعل الجاري. فهي تتابع ما يُطرح وما قاله المستخدم بالفعل، فيسير الحوار دون تكرار.
مثال مع TravelBooker: تقول: «احجز رحلة إلى نيويورك صباح الاثنين.» فيحفظ الوكيل في ذاكرته القصيرة:
وبدون هذه الذاكرة، سيسألك الوكيل أن تعيد المعلومة نفسها في كل خطوة.
أين تُخزَّن؟ تعيش الذاكرة قصيرة المدى عادةً في:
وتُمسح هذه الذاكرة أو تُعاد إلى الصفر بانتهاء الجلسة، إلا إذا نُقلت صراحةً إلى الذاكرة طويلة المدى.
تتيح الذاكرة طويلة المدى للوكيل أن يتحسّن مع الوقت، إذ تحفظ معرفة مفيدة عبر جلسات ومهام متعدّدة، فتصبح التجربة أكثر تخصيصًا وكفاءة.
مثال مع TravelBooker: مع مرور الوقت يتعلّم الوكيل أنك:
فحين تقول في المرة التالية: «احجز لي كالمعتاد»، يعرف تمامًا ما المقصود دون أن يسأل مجدّدًا.
أين تُخزَّن؟ الذاكرة طويلة المدى لا تُخزَّن في مكان واحد. فهي تعتمد عادةً على مزيج من الأدوات والتقنيات المصمّمة لحفظ المعرفة عبر الجلسات — من قواعد البيانات العلائقية التقليدية إلى قواعد البيانات المتجهية الحديثة. وسنستعرض بعض هذه الأدوات بتفصيل أكبر في الفصل الثامن.
والنقطة المهمة هنا: هذه الذاكرة ليست خصيصة في النموذج اللغوي نفسه، بل مكوّن يبنيه المطوّر ويتحكّم في محتواه ومدّة بقائه ومن يستطيع الوصول إليه — وهذا مهم من ناحية الخصوصية.
رأينا حتى الآن كيف يفهم الوكيل الطلب، ويخطّط للمهام، ويسترجع البيانات، وينفّذ الإجراءات. لكن ما يهمّ من ناحية التصميم أن هذه القدرات ليست مكتوبة في كتلة برمجية واحدة ضخمة.
بل تُبنى الوكلاء بـمعمارية معيارية: مجموعة من المكوّنات المستقلّة، كل واحد منها مسؤول عن وظيفة محدّدة. وتُوصَل هذه الوحدات عبر طبقة تنسيق تنظّم كيف يستدل الوكيل، ويقرّر، ويتذكّر، ويعمل.
يمكن تصوّر كل مكوّن كوحدة قابلة للاستبدال:
وهذه المعيارية هي ما يجعل الوكلاء قابلين للتوسّع والتخصيص وإعادة الاستخدام في حالات مختلفة.
الجدول 6-4: الوحدات ووظائفها
| الوحدة | الوظيفة |
|---|---|
| النموذج اللغوي (GPT-4، Claude، Gemini…) | محرّك الاستدلال المركزي: يستقبل الموجّهات ويحدّد الخطوة التالية |
| مدير الموجّهات | يخزّن الموجّهات ويصوغها، سواء كانت ثابتة أو مُولَّدة أثناء العمل |
| واجهات الأدوات | واجهات برمجية أو موصّلات مخصّصة للأنظمة الخارجية (رحلات، أنظمة عملاء…) |
| مخزن الذاكرة | الذاكرة قصيرة وطويلة المدى (Redis، Pinecone، PostgreSQL…) |
| طبقة التنسيق | تدير المسار، وتحدّد سلوك الوكيل، وتتولّى المنطق متعدّد الخطوات |
وتُربط هذه الوحدات عادةً باستخدام إطار تطوير برمجي مثل:
ولكل إطار أسلوبه في إدارة الموجّهات والأدوات والذاكرة والاتصال بالنموذج، لكن البنية الجوهرية تبقى متشابهة. وسنستعرض بعض هذه الأطر مع أمثلة عملية في الفصل الثامن.
بعد أن صارت لدينا صورة واضحة عن طريقة عمل الوكيل، ننتقل في الجزء التالي إلى الجانب العملي: كيف تحدّد ما إذا كان الوكيل هو الحل المناسب لمشكلتك، وكيف تصمّمه من الأساس.