عرفنا في الفصل السابق كيف غيّرت النماذج اللغوية الكبيرة قواعد اللعبة، فجعلت الذكاء الاصطناعي أكثر مرونة وقدرة على التفاعل. لكن كيف تعمل هذه النماذج فعليًا؟ وما الذي يمنحها هذه القدرة؟
عرفنا في الفصل السابق كيف غيّرت النماذج اللغوية الكبيرة قواعد اللعبة، فجعلت الذكاء الاصطناعي أكثر مرونة وقدرة على التفاعل. لكن كيف تعمل هذه النماذج فعليًا؟ وما الذي يمنحها هذه القدرة؟
للإجابة، نحتاج إلى تفكيك المكوّنات الأساسية للذكاء الاصطناعي التوليدي: التقنية التي تتيح للآلة إنتاج نصوص وصور وموسيقى بل وبرمجيات. سنبدأ من الفكرة العامة ثم ننزل إلى التفاصيل، مع ربط كل مفهوم بأمثلة تعرفها بالفعل.
لنبدأ من الأساس. الذكاء الاصطناعي التوليدي نوع من الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على تحليل المعلومات أو تصنيفها، بل ينتج شيئًا جديدًا.
يمكن تصوّر الفرق بهذه الصورة:
فحين تطلب من ChatGPT أن يكتب قصيدة، أو يلخّص مقالًا، أو يصوغ وصفًا لمنتج، فهو لا ينسخ نصًا من مكان ما. بل يستخدم الأنماط التي استخلصها من كميات هائلة من النصوص ليولّد شيئًا جديدًا.
يمكن تصنيف الذكاء الاصطناعي التوليدي حسب نوع المحتوى الذي ينتجه: نصًا أو صورة أو فيديو أو حتى برمجيات. وفي كل حالة يُنشئ النظام محتوى جديدًا بدلًا من مجرد تحليل محتوى قائم. فيما يلي الفئات الرئيسة مع أمثلة واقعية.
نماذج مثل ChatGPT و Google Gemini و Claude و LLaMA تولّد محتوى نصيًا انطلاقًا من الموجّهات، وتساعد في الكتابة والتلخيص والبرمجة والبحث. ويستخدم المطوّرون أدوات مثل GitHub Copilot لتوليد الشيفرة البرمجية وتحسينها.
مثال: أن تطلب «لخّص أثر الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية» فتحصل على إجابة منظّمة ومصاغة.
يحوّل الذكاء الاصطناعي الأوصاف النصية إلى صور باستخدام نماذج مثل DALL·E و MidJourney و Stable Diffusion. وتُستخدم هذه الأدوات على نطاق واسع في التصميم الجرافيكي والتسويق والصناعات الإبداعية.
مثال: أن تكتب «روبوت يحلم في هدوء داخل عالم مستقبلي» فتحصل على عمل فني عالي الجودة.
بعض النماذج تجمع أكثر من صيغة، فتعالج وتولّد النص والصورة والفيديو والصوت. فنماذج مثل GPT-4o و Google Gemini تحلّل الصور وتجيب عن أسئلة حولها، بينما يولّد Sora مقاطع فيديو من وصف نصي.
مثال: أن ترفع صورة كلب وتسأل: «ما نوع هذا الكلب؟» فتحصل على إجابة وصفية.
وما يجعل كل هذا ممكنًا هو ثلاثة أشياء: الشبكات العصبية، والتعلّم العميق، وتقنية أحدثت قفزة نوعية تُعرف باسم بنية المحوّلات. لنفصّل كل واحدة منها.
في قلب الذكاء الاصطناعي التوليدي تقف الشبكات العصبية. وإذا سمعت يومًا من يقول إن «الذكاء الاصطناعي يعمل مثل الدماغ البشري»، فهذا التشبيه هو ما يقصده. ومن المهم أن نتعامل معه كتشبيه تعليمي لا كوصف دقيق: أوجه الشبه بين الشبكة العصبية الصناعية والدماغ محدودة جدًا في الواقع.
تخيّل الشبكة العصبية كشبكة واسعة من العُقد المترابطة، تشبه في تنظيمها العام الخلايا العصبية في الدماغ. تعالج هذه العُقد المعلومات وتنقلها فيما بينها، فيتمكّن النظام من التعرّف على الأنماط وإصدار تنبؤات.
مثال: اعرض على شبكة عصبية آلاف الصور للقطط والكلاب، فستتعلّم تمييز الفروق بينها — شكل الأذنين، ونمط الفَرو، والحجم — بطريقة تُشبه في نتيجتها ما يفعله الإنسان.
يوضّح الشكل 3 شبكة عصبية تصنّف صور القطط والكلاب: يستقبل النموذج صورة، ويمرّرها عبر طبقات متعدّدة من العُقد، ثم يحسب احتمال أن تكون الصورة «قطة» أو «كلبًا».
يأخذ التعلّم العميق الشبكات العصبية خطوة أبعد، إذ يستخدم عددًا كبيرًا من الطبقات المترابطة، فيصبح النظام قادرًا على التعرّف على أنماط أكثر تعقيدًا وبدقّة أعلى. وكلما زاد عمق الشبكة، ارتفعت قدرتها على استخلاص التفاصيل الدقيقة.
مثال: في تصنيف الصور، لا يقف النموذج العميق عند ملامح بسيطة مثل الأذنين أو الفَرو، بل يمرّر الصورة عبر طبقات متتالية يصفّي في كل واحدة منها فهمه أكثر، فيرتفع مستوى الدقة.
النموذج اللغوي الكبير هو نموذج تعلّم عميق دُرِّب على كميات هائلة من النصوص. وبخلاف الأنظمة القديمة التي كانت تتبع قواعد ثابتة، تعمل هذه النماذج على التنبؤ بالكلمة التالية في الجملة، وهذا ما يجعل مخرجاتها متسلسلة وطبيعية.
مثال: عندما تبدأ الكتابة في محرك البحث فيقترح عليك إكمال العبارة — تكتب «كيف أُعدّ كعكة…» فيقترح «الشوكولاتة؟» — فهذه صورة مبسّطة جدًا للفكرة نفسها. الآن تخيّل الأمر على نطاق أكبر بكثير: محادثات كاملة، ومقالات، بل وشيفرة برمجية.
لكن كيف يعمل النموذج اللغوي فعليًا؟ على المستوى العام، يمرّ النص بثلاث خطوات أساسية، كما يوضّح الشكل 5.
لا يقرأ النظام النص كما نقرؤه. بل يفكّك الكلمات إلى وحدات أصغر تُسمّى رموزًا (Tokens) حتى يستطيع معالجتها رياضيًا.
مثال:
["The", "cat", "sat", "on", "the", "mat."]
لأن النظام لا يتعامل إلا مع الأرقام، يُربط كل رمز برقم مميّز داخل قائمة ضخمة من المفردات. ثم تُحوَّل هذه الأرقام إلى متجهات تساعد النموذج على إدراك العلاقات بين الكلمات؛ فالكلمات المتقاربة في المعنى تصبح متقاربة في هذا الفضاء العددي. ويُسمّى هذا التمثيل تمثيلًا متجهيًا (Embedding).
مثال:
["The", "cat", "sat", "on", "the", "mat."][928, 3621, 840, 55, 928, 8]بعد تحويل النص إلى متجهات، يحلّل النموذج التسلسل ويتنبّأ بالكلمة التالية بناءً على الأنماط التي تعلّمها.
مثال:
في هذه الخطوة تحدث عملية التوليد: كتابة النصوص، وصياغة الرسائل، وتلخيص المستندات، بل وتأليف القصص.
لكن كيف انتقلنا من نماذج بسيطة إلى نماذج بهذا المستوى؟ هنا يأتي دور بنية المحوّلات.
تبدو النماذج اللغوية اليوم طبيعية ومترابطة وواعية بالسياق، لكن الأمر لم يكن كذلك دائمًا. فقبل المحوّلات، كانت النماذج تتعثّر مع النصوص الطويلة، وتفقد السياق أو المعنى في منتصف الطريق.
تغيّر ذلك في سنة 2017 عندما قدّمت Google بنية المحوّلات (Transformers): تطوّرٌ أتاح معالجة اللغة بسرعة أعلى وفهم أعمق وعلى نطاق أوسع.
تنظر إلى النص المتاح كوحدة واحدة، لا كلمة بعد كلمة. كانت النماذج الأقدم تعالج النص تسلسليًا، فتفقد الكفاءة وتنسى ما جاء في البداية. أما المحوّلات فتحسب العلاقات بين كل الرموز الموجودة في السياق على التوازي، فتلتقط الصورة العامة في خطوة واحدة.
ومن المهم التمييز هنا: هذه المعالجة المتوازية تخصّ قراءة السياق وفهم العلاقات داخله. أما توليد النص فيبقى تسلسليًا: النموذج ينتج رمزًا واحدًا، ثم يضيفه إلى السياق، ثم يتنبّأ بالرمز الذي يليه، وهكذا. فالتوازي في الفهم، والتتابع في الكتابة.
مثال:
تخيّل الفرق بين قراءة كتاب حرفًا حرفًا، وبين استيعاب فقرة كاملة بنظرة واحدة — مع ملاحظة أنك بعد الاستيعاب ما زلت تكتب جوابك كلمة بعد كلمة.
تحافظ على السياق. قبل المحوّلات، كانت النماذج تنسى ما قيل في بداية الحديث.
مثال:
تتوسّع مع حجم البيانات. كلما كبرت مجموعة البيانات، تحسّن أداء النموذج. وقدرة المحوّلات على معالجة كميات ضخمة في وقت واحد هي ما جعل نماذج بحجم GPT-4 ممكنة.
في قلب المحوّلات تقف آلية الانتباه (Attention Mechanism)، وهي ما يتيح للنموذج التركيز على الكلمات الأهم عند تفسير النص.
تخيّل أنك تقرأ كتابًا من مئة صفحة، لكنك تحتاج إلى تذكّر الجمل المفتاحية فقط لتفهم الحكاية. هذا تقريبًا ما تفعله آلية الانتباه: تساعد النموذج على التركيز على الكلمات الأكثر صلة وتجاهل الأقل أهمية.
مثال:
وتستخدم المحوّلات، وهي العمود الفقري للنماذج اللغوية الكبيرة، عددًا هائلًا من آليات الانتباه العاملة على التوازي، لتتعلّم الروابط والاعتماديات المعقّدة بين الكلمات داخل السياق.
وتُقاس سعة هذه النماذج عادةً بعدد المعامِلات (parameters): وهي القيم العددية الداخلية التي يضبطها النموذج أثناء التدريب، وتحدّد كيف يربط بين الكلمات. وتُقاس قدرتها على متابعة نص طويل بحجم نافذة السياق: أي كمية النص التي يستطيع النموذج أخذها في الحساب مرة واحدة. وكلما اتّسعت نافذة السياق، طالت المحادثة أو المستند الذي يمكن للنموذج التعامل معه دون أن يفقد الخيط.
بدون آلية الانتباه، كان النظام سيتعامل مع كل الكلمات بالوزن نفسه، فيفقد الروابط المهمة. ومعها، يصبح قادرًا على تتبّع المعنى داخل السياق. لكن فهم النص جزء واحد من المعادلة؛ فلكي يصبح النموذج مفيدًا فعلًا، يحتاج إلى تدريب على بيانات ضخمة، وأحيانًا إلى ضبط دقيق لمهمة بعينها.
فكيف يتعلّم النموذج ويتحسّن ويتخصّص؟ هذا ما يفعله التدريب المسبق والضبط الدقيق.
النماذج اللغوية الكبيرة لا تبدأ عارفة بكل شيء. بل تمرّ بمرحلتين رئيستين من التعلّم: التدريب المسبق ثم الضبط الدقيق. وفهم الفرق بينهما مفتاح لإدراك كيف تصبح أنظمة مثل ChatGPT بهذه القدرة.
يمكن النظر إلى التدريب المسبق كمرحلة يتعلّم فيها النموذج أكبر قدر ممكن قبل أن يُوكل إليه عمل محدّد. تُدرَّب النماذج على مجموعات بيانات هائلة — مليارات الكلمات من الكتب والمواقع ومصادر نصية أخرى — لتتعلّم قواعد اللغة والمعلومات العامة وأنماط الاستدلال.
فنموذج مثل GPT-4 دُرِّب على كمية ضخمة من النصوص حتى يستطيع التنبؤ بما يأتي بعد أي عبارة. في هذه المرحلة يستخلص النموذج أنماط اللغة، ويبني قدرة على الاستدلال، ويتعلّم قراءة السياق. لكنه يبقى عامًّا: يعرف قليلًا عن كل شيء دون تخصّص في مجال بعينه.
مثال: نموذج مدرَّب مسبقًا يستطيع صياغة عقد قانوني بسيط، لكنه لن يكون بجودة نموذج ضُبط بدقّة على وثائق قانونية.
يأخذ الضبط الدقيق نموذجًا مدرَّبًا مسبقًا ويجعله بارعًا في مهمة واحدة، عبر تدريبه على مجموعات بيانات أصغر لكن عالية الجودة ومتخصّصة في المجال المطلوب. وهذا يعدّل سلوك النموذج ليصبح أدقّ وأكثر ملاءمة.
مثال 1: نموذج طبي يُضبط على سجلات المرضى والأوراق البحثية، فيفهم المصطلحات الإكلينيكية ويستطيع مساعدة الأطباء.
مثال 2: نظام دعم عملاء يُضبط على الأسئلة الشائعة للشركة والمحادثات السابقة، فتصبح ردوده أنسب لسياق الشركة.
الضبط الدقيق يشبه منح النظام تخصّصًا بعد تعليم عام: هو يعرف الكثير أصلًا، لكنه الآن يُدرَّب ليصبح خبيرًا في مجال محدّد.
الجدول 2-1: الفروق الرئيسة بين النموذج المدرَّب مسبقًا والنموذج المضبوط بدقّة
| الخصيصة | النموذج المدرَّب مسبقًا | النموذج المضبوط بدقّة |
|---|---|---|
| الغرض | فهم لغوي عام | خبرة في مهمة محدّدة |
| بيانات التدريب | ضخمة ومتنوّعة | متخصّصة في مجال بعينه |
| المرونة | يولّد ردودًا عامة | مُهيَّأ لقطاع محدّد |
| مثال | GPT-4 في استخدامه العام | GPT-4 مضبوطًا لخدمة العملاء |
| الكلفة الحوسبية | مرتفعة جدًا (تدريب مكلف) | أقل بكثير (بيانات أصغر) |
ولهذا السبب تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي المساعدة في مجالات مثل الرعاية الصحية والقانون والتمويل دون الحاجة إلى تدريب نموذج جديد من الصفر في كل مرة.
بعد أن أصبحت لدينا صورة واضحة عن كيفية عمل هذه النماذج، يمكننا الانتقال إلى سؤال أكثر عملية: كيف نوجّهها للحصول على نتائج أفضل؟ هذا موضوع الفصل التالي، حيث نتناول هندسة الموجّهات، والأخطاء الشائعة، وتقنيات متقدّمة مثل الاستدلال المتسلسل.